الشنقيطي
88
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يَوْمُ التَّغابُنِ [ التغابن : 9 ] ، وقوله تعالى : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ( 103 ) [ هود : 103 ] . وقوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً [ الأنعام : 22 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وبين في مواضع آخر - أن هذا الحشر المذكور شامل للعقلاء وغيرهم من أجناس المخلوقات ، وهو قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) [ الأنعام : 38 ] . وقوله في هذه الآية الكريمة : فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 ) أي لم نترك . والمغادرة : الترك ؛ ومنه الغدر . لأنه ترك الوفاء والأمانة . وسمي الغدير من الماء غديرا ، لأن السيل ذهب وتركه . ومن المغادرة بمعنى الترك قول عنترة في مطلع معلقته : هل غادر الشعراء من متردم * أم هل عرفت الدار بعد توهم وقوله أيضا : غادرته متعفرا أوصاله * والقوم بين مجرح ومجدل وما ذكره في هذه الآية الكريمة - من أنه حشرهم ولم يترك منهم أحدا - جاء مبينا في مواضع أخر ، كقوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً [ الأنعام : 22 ] الآية ، ونحوها من الآيات ، لأن حشرهم جميعا هو معنى أنه لم يغادر منهم أحدا . قوله تعالى : وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا [ 48 ] الآية . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن الخلائق يوم القيامة يعرضون على ربهم صفا ، أي في حال كونهم مصطفين . قال بعض العلماء : صفا بعد صف . وقال بعضهم : صفا واحدا وقال بعض العلماء « صفّا » أي جميعا ، كقوله ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا [ طه : 64 ] على القول فيه بذلك . وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة : وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل - أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع : يا عبادي ، أنا اللّه لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين . يا عبادي ، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون . أحضروا حجتكم ويسروا جوابا فإنكم مسؤولون محاسبون . يا ملائكتي ، أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب » . قلت : هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية . ولم يذكره كثير من المفسرين ، وقد كتبناه في كتاب التذكرة ومنه نلقناه ، والحمد للّه . انتهى كلام القرطبي . والحديث المذكور يدل على أن « صفا » في هذه الآية يراد به صفوفا ؛ كقوله في الملائكة : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) [ الفجر : 22 ] . ونظير الآية قوله في الملائكة : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ